الثورة الصناعية الرابعة لتمكين البشر وليس لصعود الآلات

الثورة الصناعية الرابعة : لتمكين البشر  وليس لصعود الآلات

اسماعيل ياسين : رئيس الجمعية العربية للروبوت*

علينا النظر الى  الآلات  ( ويقصد بها الأجهزة والمعدات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ) على انها  الأدوات التي ستساعدنا على حل أكبر مشاكل العالم،  بدلا من النظر اليها على أنها  وسيلة  نخشى استخدامها. وليس هنالك شك في حقيقة ان العالم يتغير ونحن لا محالة  سنتأثر بالثورة الصناعية الرابعة  سواء كنا على دراية بها أم لا.

سنتأثر بالثورة الصناعية الرابعة  سواء كنا على دراية بها أم لا 

 

  حيث تتداخل العديد من الالات والاجهزة والتقنيات  مع مليارات من البشر يقومون باستخدمها وتسخيرها واستثمارها  من خلال التكنولوجيا الرائدة  التي توفرت وساعد في هذا  التداخل والاندماج قوة معالجة البيانات  غير المسبوقة والسرعة الهائلة للمعالجات  وقدرة التخزين الضخمة وتنوع وسهولة اليات جمع   البيانات وتحليلها وتوفيرها بطرق لم يسبق لها مثيل. ولم تعد مفاهيم  الاتمتة و الحوسبة المتنقلة والذكاء الاصطناعي مفاهيم مستقبلية،  بل أصبحت واقعا نعيشه يوميا . يرى الكثير من الناس  بأن هذه التغيرات مخيفة ، في الوقت الذي أظهرت لنا الثورات الصناعية السابقة أنه إذا لم يتم تكيف الشركات والصناعات مع التكنولوجيا الجديدة فإنها ستعاني كثيرا  وتواجه تحديات و صعوبات لا مثيل لها  والأسوء من ذلك انها ربما تفشل  في النهاية  وتخفق في الاستمرار بتقديم خدماتها مما سيضطرها الى التوقف والاغلاق ، وقد لمسنا هذا الامر في العديد من الشركات والصناعات التي كانت في فترة من الفترات تعتبر من افضل واكبر الشركات المنتجة او مقدمة الخدمة في عدة مجالات ، ورأينا كيف انهارت او أغلقت نتيجة لعدم تكيًف هذا الشركات ومواكبتها للتطورات  .

عقلية التحول في اتجاهات ومواقف التفكير:

يعتقد الكثيرون اعتقادا جازما مثلما اعتقد  انا ان هذه الابتكارات ستجعل الصناعة والعالم أقوى وأفضل. إن التغيير الذي أحدثته الثورة الصناعية الرابعة أمر لا مفر منه، وليس اختياريا. ويمكن ان نندهش - اذا نظرنا الى الموضوع بطريقة ايجابية -  من حجم  المكافآت التي يمكن جنيها نتيجة لهذه الابتكارات  ومنها: ارتفاع مستويات المعيشة وتحسين السلامة والأمن وزيادة كبيرة في القدرات البشرية وغيرها الكثير .

 


 مستقبل العمل سيكون مختلفا  جدا عن الماضي. الناس ستبني هذا المستقبل بروح الشجاعة  والإبداع وروح المبادرة.

وفي هذا السياق  لابد من الاشارة الى اهمية المواضيع المتعلقة في تنمية الموارد البشرية والقوى العاملة ، فيجب ان يكون هناك تحول في اتجاهات ومواقف التفكير في الخطط الموضوعة لتنمية الموارد البشرية وبناء قدراتها . فمستقبل العمل سيكون مختلفا  جدا عن الماضي. وأعتقد أن الناس ستبني هذا المستقبل  بروح الشجاعة  والإبداع وروح المبادرة ، بدلا من التمسك بالوضع الراهن. ويمكن ان يكون  أداء  القوى العاملة  اليوم  أفضل بسبب هذه التكنولوجيا وتلك التي لم تأت بعد  والاهتمام بالتحول الايجابي وبناء القدرات بدلا من الخوف بأن تقل قيمة واهمية مهاراتهم البشرية.

 

الانسان والآلة :

لقد سمعنا جميعا عن قصص تفوق أجهزة الكمبيوتر والذكاء الاصطناعي على البشر  وكان أحداها  الهزيمة التي لحقت بمحترفي لعبة  الشطرنج . ولكن القصة أكثر دقة من ذلك ؛  حيث يتعامل الانسان واجهزة الحاسوب  بشكل مختلف عن بعضهم البعض ولكل منها نقاط القوة والضعف. ففي الوقت الذي تحبذ فيه اجهزة الحواسيب  التراجع والانسحاب ،  الا أن لها قدرات على    تخزين كميات هائلة من البيانات وهي غير متحيزة في صنع القرار.

 سيحتاج لعالم دائما إلى التخيل و التألق والبراعة والابداع والمهارة  البشرية

اما الأنسان فهو أكثر عنادا، ويستطيع قراءة نقاط ضعف الخصم وتقييم الأنماط المعقدة  واتخاذ القرارات الإبداعية واستخدام عدة استراتيجيات  للفوز.  هذا مما دفع مخترعي لعبة الشطرنج المحوسبة والذكية للاعتراف  بأن أفضل لاعب شطرنج هو في الواقع فريق مكون  من كل من الإنسان وجهاز الحاسوب . إذن  سيحتاج العالم دائما إلى تألق إنساني وبراعة إنسانية ومهارات بشرية. فالبرمجيات والتكنولوجيا لديها القدرة على تمكين الناس إلى درجة أكبر بكثير مما كانت عليه في الماضي من خلال فتح الإبداع الكامن  والتصور والخيال للبشر على كل مستوى من مستويات كل المؤسسات المختلفة . فالعملية اذن ليس تنافسية بل تشاركية تكاملية بين الانسان والآلة ، اقتضتها الحاجة والتوسع في الاعمال والزيادة في اعداد البشر ، وزيادات متطلبات الحياة وكثرة الاستهلاك والحاجة الماسة لزيادة الانتاج وتقليل الخطورة وزيادة الرفاهية وتوفير الوقت . كل المواضيع ساهمت بشكل كبير الى تفكير الانسان بحلول ابداعية مستندة الى ما وصل اليه العلم والتطور والتكنولوجيا واستثمار ها في توفير خدمات نوعية ،  فبراعة الانسان ومهارته وقدرته على التفكير اذا ما تم مزجها بقدرات الالة على العمل المتواصل والتنفيذ  والتخزين وجمع البيانات والتحليل والتنبوء وتنفيذ العمليات الحسابية باوقات خيالية وسرعات عالية،  تشكل منظومة عمل متكاملة قادرة على ايجاد خدمات ومنتجات ابداعية لا مثيل لها .

قوة البيانات ، قوة البشر

التحول في طبيعة علاقة الانسان مع الآلة ،  سيمكن العاملين والموظفين الذين لديهم علاقات مباشرة  مع المستفيدين ومتلقي الخدمة من اتخاذ قرارات أكثر ذكاء  وحل المشاكل الأكثر تعقيدا  والقيام بعملهم على نحو أفضل. هذه هي مهمتنا  والتي تكمن في  سرعة ادراك وفهم  قوة  البيانات واهميتها ودمجها  مع القوى البشرية  واستثمار هذا المزيج في تطوير الخدمات والصناعات والمنتجات المختلفة .  وفي هذا السياق نعرض المثال التالي والذي يوضح طبيعة هذا الاندماج وكيفية الاستثمار بقدرات  كل من الآلة والانسان :

هنالك ملايين الكيلومترات من السكك الحديدة الموزعة على كافة انحاء العالم تسير عليها مئات  الالف من القطارات و القاطرات والتي يتم تسيرها بواسطة محركات كهربائية  ضخمة ومعقدة للغاية و تكلف ملايين الدولارات. ورغم كافة الاحتياطات التي يتم اخذها بعين الاعتبار الا ان الشركات المسيرة لهذه القطارات  تخسر  الالاف وربما الملايين  كل ساعة نتيجة لخروج القاطرات عن  السكة (ناهيك عن  الانتقادات والغضب الذي تواجهه هذه الشركات من العملاء والمسافرين) في حال  تدهور احدى قاطرات السكك.

مهمتنا هي   سرعة ادراك وفهم  قوة  البيانات واهميتها ودمجها  مع القوى البشرية. 

 

ما يتم بهذا الخصوص وبعد سحب القاطرة المتدهورة للتصليح هو البدء باجراءات الكشف عن اسباب خروج القاطرة عن السكة من خلال  اختبارات تشخيصية وجمع معلومات عن الحادث . ويمكن أن يستغرق ذلك ساعات وربما ايام ، وغالبا ما تتطلب هذه الفحوصات من الفنيين الوقوف بجانب المحركات وتدوين الصوت و الأرقام وجمع البيانات ومراقبة عمل القاطرات والمحركات وغيرها من الفحوصات التشخيصية اللازمة ، و هذه هي الطريقة التقليدية  او على الاقل المستخدمة .

 

إيجاد الحلول البديلة:

عند التفكير بالاستثمار بالتكنولوجيا الحديثة والمعدات والالات والاجهزة ، يصبح التفكير بايجاد حلول بديلة  للكشف والتشخيص اكثر مرونة ويتيح الفرصة امام القوى العاملة والفنيين لعرض افكار كبيرة وابداعية  وهذا يمكنهم من ايجاد  حلول اكثر احترافا او تجنب المشاكل من الاساس ، فمثلا ، عند تشغيل القاطرات بشكلها الطبيعي اليومي يمكن  ربطها بأنظمة واجهزة استشعار  ذكية قادرة على جمع البيانات وتخزينها بدقة وسهولة ودون جهود تذكر  . وبناء عليه يتم دراسة هذه البيانات وتحليلها استخلاص النتائج والتنبوء وغيره  ، وقد تم بالفعل تنفيذ هذا النظام في بعض الشركات. حيث  كانت توقعات البرنامج تجيب على اسئلة من نمط  لماذا وكيف ، وهذا النمط من الاسئلة يتيح الفرصة للتعرف على اجابات مختلفة مثل  متى يمكن ان تتدهور القاطرة ، وما هي الاحتمالات لذلك ، وكيف يمكن ان تخرج القاطرة عن السكة ووضع القاطرات الحالي ومتى من المتوقع ان يحدث حادث مشابه وهل من  المرجح أن تتدهور القاطرة وغيرها الكثير . و باستخدام التحليلات التنبؤية  يتم  انشاء  خوارزميات تقوم  بتحليل كميات هائلة من البيانات التي يتم  جمعها  من قبل أجهزة الاستشعار  المربوطة بالقاطرات والتي ربما تصل  الى  250  جهاز استشعار لكل قاطرة  يعمل كل منها على جمع نوع مختلف من البيانات وباوقات ومقاييس وسرعات واتجاهات وظروف مختلفة . ويتم فحص  تلك البيانات بواسطة  الاجهزة  المتخصصة  وخبراء في هذا المجال  حيث يتم الاخذ بعين  الاعتبار  العديد من المتغيرات من معايير الصناعة  الى حالة   الطقس.

 

استثمار  المهارات البشرية التي لا يمكن استبدالها بالالة  ومنها الخبرة والابداع والابتكار.

 ان هذه الاجهزة مرتبطة بنظام متكامل ففي حال وجدود   أي مشكلة فسيتم الكشف عنها مباشرة  ، وارسال القاطرة للتصليح . ويتمكن الميكانيكي او الفني  ببساطة من استخدام آيباد  في بضع دقائق بالضبط   والتعرف من خلاله  على الخطأ ومصدره وفي حال تسبب هذا الامر خروج للقاطرة عن السكة فسيتمكن من معرفة  اسباب تدهور القاطرة  في لحظات. هذا الامر يمكن  الفنيين من القيام  بعملهم   بشكل أفضل وذلك باستخدام خبرتهم مهاراتهم وقدرتهم  على تشخيص الحالة. وتصبح قرارت واجراءات الفنيين مبنية على اسس علمية وقراءات وبيانات  تم تغذية البرنلامج بها ، كما يتم اخذ هذه  التحليلات والقياسات والتنبوء  للمشكلة القادمة.  لذلك لن تحل التكنولوجيا محل عمل الفنيين والمهندسين والميكانيكيين ولكن ستمكنهم من القيام بعملهم بشكل افضل وبدقة اكبر وسرع. وستحقق الراضى لدى  المتعاملين  وتجبنهم اخطار كثيرة .

وبنفس الطريقة التي تعمل بها أجهزة الكمبيوتر مع اللاعبين المهرة في  الشطرنج حيث يشكل الاثنان فريقا رائعا ويصبح التركيز على استثمار  المهارات البشرية التي لا يمكن استبدالها بالالة  ومنها الخبرة والابداع والابتكار . في حيث يكون دور التكنولوجيا الكشف عن المشكل غير المعروفة وغير المرئية للعين البشرية. باختصار، عندما يعمل الفني والتكنولوجيا  معا، فان العمل يتم بشكل أسرع مع عدد أقل من الأخطاء ونتائج أفضل.

سيكون   لدينا المعرفة والموهبة والخبرة والابداع والادوات والتكنولوجيا  التي ستزودنا بالبصيرة والمنظور لايجاد حلول لاكبر مشاكل العالم .

لذا لابد من تنمية واستثمار  هذه الحلقة  المتكاملة عبر جميع الصناعات والمجالات مثل  الطيران والطاقة والنقل والمدن الذكية والتصنيع والموارد الطبيعية والبناء  والطب والزراعة وغيرها . ويمكن لهذا النمط من التعامل ان يحقق الانتاجية التي نريدها والتي  تذكرنا بما شهده العالم في بداية الثورة الصناعية الأولى.  ولكن تأثير الثورة الصناعية الرابعة سوف يكون أوسع بكثير وأعمق من الأولى.  وسيكون لدينا المعرفة والموهبة والأدوات لحل بعض من أكبر المشاكل في العالم مثل  الجوع  وتغير المناخ والمرض والمياه وغيرها . حيث  ستزودنا التكنولوجيا  بالبصيرة والمنظور الذي نحتاج إليه للوصول إلى تلك الحلول. لكنها لن توفر الخبرة  أو الإبداع الذي سنحصل عليه من االموارد البشرية.

 

المصدر بالتصرف :            - Brad Keywell  https://www.weforum.org/    ترجمة هلا العبادي